ابراهيم بن عمر البقاعي
328
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يزوجها ، زاد البخاري : فنهاهم اللّه سبحانه وتعالى » « 1 » عن ذلك ، وحاصل ذلك ما نقله الأصبهاني أنه كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه ، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا ، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها ، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت ، فإذا ماتت ورثها . وما أنسب ذكر هذا الحكم الذي كثرت فيه المراجعة على وجه يؤذن بعدم إذعان بعض النفوس له عقب آية الإسلام الذي معناه الانقياد والخضوع والإحسان الذي صار في العرف أكثر استعماله للاعطاء والتألف والعطف لا سيما للضعيف ، وذكر إبراهيم عليه الصلاة والسّلام الذي تقدم أنه أتم ما ابتلاه اللّه تعالى به من الكلمات ووفى بها من غير مراجعة ولا تلعثم ، وأنه كان حنيفا ميالا مع الدليل ، تعنيفا لمن قام عليه دليل العقل وأتاه صريح النقل وهو يراجع ! وإذا تأملت قوله تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] مع قوله فيما قبل وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ [ النساء : 9 ] لاحت لك أيضا مناسبة بديعة . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 128 إلى 130 ] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 128 ) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 129 ) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً ( 130 ) ولما صاروا يعطون اليتامى أموالهم ، وصاروا يتزوجون ذوات الأموال منهن ويضاجرون بعضهن ؛ عقب ذلك تعالى بالإفتاء في أحوال المشاققة بين الأزواج فقال : وَإِنِ امْرَأَةٌ أي واحدة أو على ضرائر . ولما كان ظن المكروه مخوفا قال : خافَتْ أي توقعت وظنت بما يظهر لها من القرائن مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أي ترفعا بما ترى من استهانته لها بمنع حقوقها أو إساءة صحبتها أَوْ إِعْراضاً عنها بقلبه بأن لا ترى من محادثته ومؤانسته ومجامعته ما كانت ترى قبل ذلك ، تخشى أن يجر إلى الفراق وإن كان متكلفا لملاطفتها بقوله وفعله فَلا جُناحَ أي حرج وميل عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا أي يوقع الزوجان بَيْنَهُما تصالحا ومصالحة ، هذا على قراءة الجماعة ، وعلى قراءة الكوفيين بضم الياء وإسكان الصاد
--> ( 1 ) تقدم تخريجه في الذي قبله .